أبي منصور الماتريدي
74
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ . قال القتبي : شديد ؛ وكذلك قال أبو عوسجة « 1 » . وقال غيره « 2 » : أي : موجع ، وهو واحد . وقال الحسن : وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ على الوقف ، ثم قال : بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ . قال أبو عوسجة : قوله : عَتَوْا أي : استكبروا ؛ يقال : عتا يعتو عتوّا ، وكأن العتو هو النهاية في البأس ، فكذلك « 3 » قيل في قوله : عَتَوْا بائسا ، لكن سمي مرة : قساوة ، ومرة : استكبارا . وقوله - عزّ وجل - : قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ . قال بعضهم : حولت صورتهم وجسدهم صورة القردة ، وكانت عقولهم على حالها عقول البشر لم تحول ؛ ليعلموا تعذيب الله إياهم وما أصابهم بهتكهم حرم الله . وقال قائلون : حول طباعهم طباع القردة ، وأما الصورة والجسد على حاله . وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة « 4 » . وقوله : خاسِئِينَ قال بعضهم : هو من خسأ الكلب : صار قاصيا مبعدا ؛ يقال : خسأته . وقال أبو عوسجة « 5 » : خاسِئِينَ : مبعدين ؛ وكذلك قال في قوله : اخْسَؤُا فِيها [ المؤمنون : 108 ] أي : ابعدوا فيها وارجعوا فيها ؛ يقال : خسأت فلانا وأخسأته ، أي : باعدته ، فخسأ ، أي : تباعد .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 101 ) ( 15301 ، 15302 ) عن مجاهد ، ( 15304 ) عن ابن زيد . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 254 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 101 ) ( 15300 ) عن ابن عباس ، ( 15303 ) عن قتادة . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 254 ) وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة . ( 3 ) في ب : فلذلك . ( 4 ) قال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع . وقال غيره : المراد بالأمر هو الأمر التكويني ، لا القولي ، أي : التكليفي ؛ لأنه ليس في وسعهم حتى يؤمروا به . وفي الكلام استعارة تخييلية ؛ شبه تأثير قدرته تعالى في المراد من غير توقف ، ومن غير مزاولة عمل واستعمال آلة - بأمر المطاع للمطيع ، في حصول المأمور به ، من غير توقف . وظاهر الآية يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد ، فعتوا بعد ذلك ؛ فمسخهم . ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا لما قبلها . ينظر : محاسن التأويل للقاسمي ( 7 / 285 - 286 ) . ( 5 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 209 ) ولم ينسبه لأحد .